عبد الوهاب الشعراني
5
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
طلب العلم والعبادة منذ طفولتي ، وكانت القناعة من الدنيا باليسير سداي ولحمتي ، وهذه القناعة أغنتني عن الوقوع في الذل لأحد من أبناء الدنيا ، ولم يقم لي أنني باشرت حرفة ولا وظيفة لها معلوم دنيوي ، من منذ بلغت ، ولم يزل الحق تعالى يرزقني من حيث لا أحتسب إلى وقتي هذا ، وعرضوا علي الألف دينار وأكثر ، فرددتها ولم أقبل منها شيئا ، وكان التجار والكبراء يأتون بالذهب والفضة فأنثرهما في صحن جامع الغمري ، فيلتقطه المجاورون » « 1 » . وحفظ الشعراني في قريته ، كما يحدثنا في المنن ، القرآن الكريم ، ثم حفظ أبا شجاع ، والأجرومية ، ودرسهما على أخيه الشيخ عبد القادر . وتوفي والداه قبل ان يبلغ العاشرة ، فنشأ يتيما من الأبوين ، وكان اللّه وحده كما يقول ، هو نصيره ووليه . ويقص علينا الشعراني تاريخ حضوره إلى القاهرة ، بذلك الأسلوب القلبي الأخاذ الذي عرف عن الشعراني فيقول : « . . . . وكان مجيئي إلى القاهرة افتتاح سنة عشرة وتسعمائة ، وعمري إذ ذاك اثنتا عشرة سنة ، فأقمت في جامع سيدي أبو العباس الغمري ، وحنن اللّه علي شيخ الجامع وأولاده فمكثت بينهم كأني واحد منهم ، آكل ما يأكلون ، وألبس ما يلبسون ، فأقمت عندهم حتى حفظت متون الكتب الشرعية وآلاتها على الأشياخ » . ثم يقول : « ولم أزل بحمد اللّه محفوظ الظاهر من الوقوع في المعاصي معتقدا عند الناس ، يعرضون عليّ كثيرا من الذهب والفضة والثياب ، فتارة أردّها ، وتارة أطرحها في صحن الجامع ، فيلتقطها المجاورون » . ولبث الشعراني في مسجد الغمري ، يعلم ويتعلم ، ويتهجد ويتعبد ، سبعة عشر عاما ، ثم انتقل إلى مدرسة أم خوند ، وفي تلك المدرسة بزغ نجم الشعراني وتألق . في الطريق إلى اللّه : عاش الشعراني حياته تحت ظلال المساجد ليله ونهاره متبتلا في طلب العلم عالما في التعبد ، عاش نقيا طاهرا مجاهدا في سبيل الكمال العلمي ، والكمال الخلقي . وقد اتصل منذ يومه الأول بالقاهرة بصفوة علمائها : جلال الدين السيوطي ، وزكريا الأنصاري ، وناصر الدين اللقاني ، والرملي ، والسمنودي وأضرابهم ، وقد أفاض الشعراني في
--> ( 1 ) لطائف المنن .